جرانتي العزيزة «أو نبش على وتر الذاكرة» : عمل يطرح تساؤلات ويفتح المجال للجمهور للتفكير والتأويل
ماهر عازف كمنجة في فرقة الإذاعة الوطنية، يستعد للتقاعد يستحضر مع رفيقته تاريخا حافلا من الفن والأحداث السياسية التي عاشتها تونس منذ الاستقلال حتى 2011 ، في مراوحة بين الفن والسياسة تناولتها المسرحية الجديدة » جرانتي العزيزة » للمخرج فاضل الجزيري والتي كان الجمهور على موعد معها أيام 25 و 26 و 27 جانفي 2025 خلال العروض الأولى في قاعة مسرح الجهات بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بتونس بعد عرض ما قبل الأول خلال الدورة الأخيرة لأيام قرطاج المسرحية 2024
المسرحية من إنتاج المسرح الوطني التونسي والمركز الثقافي جربة ومسرح الأوبرا تونس، سينوغرافيا وإخراج فاضل الجزيري، نص ودراماتورجيا جماعي، وأداء كل من إشراق مطر وسليم الذيب بمشاركة العازفين لطفي السافي على آلة التشيللو و إلياس بلاغي على آلة البيانو ومهدي ذاكر على آلة الكمنجة
الجزيري ووفاء منه لعادته في نبش الذاكرة استحضر من خلال مسرحيته محطات مهمة في تاريخ تونس انطلاقا من شخصيات فنية وسياسية ارتبطت بذاكرة الشعب التونسي، مثل أحمد عاشور قائد الأوكسترا السيمفوني من سنة 1979 الى 2010 وأساتذة المعهد العالي للموسيقى على غرار “زلاطكا” و”ياروش” و”سترينو” ورضا القلعي. إضافة إلى عبد الحميد بن علجية والسيد شطا. إلى جانب شخصيات مسرحية على غرار محمد إدريس والحبيب بولعراس. كما لم يغفل الفاضل الجزيري عن حادثة انتحار مدير التصوير الحبيب المسروقي سنة 1980 في لمسة وفاء تحسب له وخاصة في طريقته في ذلك. أما في الجانب السياسي فقد أتت المسرحية على ذكر شخصيات مثل بورقيبة وعلاقته باليوسفيين و الهادي نويرة وأحمد بن صالح والشاذلي القليبي وعبد الرؤوف الباسطي ومجموعة “بريسبكتيف” وغيرهم من الشخصيات وصولا إلى فترة بن علي واندلاع الثورة والتي مثلت الانفصال التام بين الشعب والحقبات التي قبلها أو ما تم تقديمه في المسرحية انفصال ماهر عن زوجته وسفرها إلى السعودية
يصنف العمل – الذي وصفه مخرجه بأنه يجمع بين الطابع الملحمي والطابع الدرامي والطابع الغنائي ضمن ما أطلق عليه مصطلح مسرح porptiga’L
وهو نمط من المسرح ظهر في ثلاثينات القرن الماضي حيث يبدو وكأنه مسرحية بسيطة وسهلة المنال وقابلة للفهم ولكن النص فيها هو وسيلة للوصول إلى الوعي السياسي، يتم نقله من خلال التأثيرات الإيمائية والمسرحية التي تهدف إلى أن تكون واضحة ومباشرة قدر الإمكان وهذا ما يفسر انجذاب الجمهور إلى مثل هذه العروض التي يرى فيها الجانب الكوميدي الهزلي.
» جرانتي العزيزة » مسرحية، تنبش الذاكرة من خلال رؤية صاحب العمل، سعى من خلالها الى ترك باب التأويل مفتوحا للمتفرج الذي سينقسم إلى قسمين، قسم سيجد نفسه يعيد مشاهدة وسماع أحداث عايشها ومنها من بد يضمحل من ذاكرته وقسم آخر لم يواكب تلك الإحداث ولم يعايشها فيصعب عليه ربط خيوط العمل فتصير القصة عبارة عن سرد لحياة زوجين انتهت بسبب اختلاف المصالح
في الأخير، » جرانتي العزيزة » محاولة أخرى للتأسيس كما يصرح دائما الجزيري وتجربة تستحق الوقوف عندها من خلال عدة تساؤلات لعل أهمها: هل كانت المسرحية تحريضا صريحا من الجزيري لإعادة كتابة العديد من المحطات التاريخية في تونس؟؟ ودور العديد من الأشخاص في ذلك؟؟
رضوان عيادي

