ياسمين حمدان… «بنسى وبتذكّر» صدى «ذاكرة تعيش» في الحمامات
لم يكن لقاء ياسمين حمدان بجمهور مهرجان الحمامات الدولي مجرد عودة إلى تونس بعد سنوات من الغياب، بل كان موعدًا مع تجربة فنية اختارت، منذ بداياتها، أن تشق لنفسها مسارًا مختلفًا عن القوالب الموسيقية التقليدية. ففي سهرة الاثنين 13 جويلية 2026، وعلى ركح مسرح الحمامات، قدمت الفنانة اللبنانية عرضًا استحضر أبرز محطات مسيرتها، وجعل من الذاكرة خيطًا ناظمًا بين الأغاني والقصص التي رافقتها
بدا ألبوم «بنسى وبتذكّر» وكأنه يتحاور مع شعار الدورة الستين «ذاكرة تعيش». فمن خلال أغانيه، تعيد ياسمين حمدان التفكير في العلاقة بين الذاكرة والنسيان، حيث لا يشكل الأول مجرد استرجاع للماضي، ولا يعني الثاني محوه، بل يتكاملان في صياغة الهوية واستمرار الحياة.
رحلة ياسمين حمدان مع التجديد بدأت منذ نهاية التسعينيات، عندما أسست مع زيد حمدان ثنائي «slliks paos»، الذي فتح بابًا جديدًا أمام الموسيقى العربية البديلة. وبعد انتقالها إلى باريس، اتسعت آفاق تجربتها من خلال تعاونها مع المنتج الفرنسي ميروا في مشروع S.A.Y.، قبل أن تواصل مسيرتها منفردة، مقدمة أعمالًا جعلتها من أبرز الأصوات العربية الحاضرة في المشهد الموسيقي العالمي.
في الحمامات، اختارت أن تتنقل بسلاسة بين محطات مختلفة من هذه المسيرة. فإلى جانب أغنيات عرفها جمهورها منذ سنوات، مثل «حال» و**«الجميلات»** و**«مرّ التجني»**، حضرت أعمال أحدث من ألبوم «بنسى وبتذكّر»، لتشكل جميعها لوحة موسيقية واحدة، تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع أسئلة الهوية والانتماء.
ومن بين لحظات السهرة التي لفتت انتباه الجمهور، تلك التي سبقت أداء أغنية «شمالي». فقد توقفت الفنانة لتتحدث عن أصل هذا العمل، المستوحى من إحدى الأغاني الشعبية الفلسطينية التي كانت النساء يتداولنها فيما بينهن، ليس فقط كجزء من الموروث الشفهي، بل أيضًا كلغة رمزية لإيصال رسائل إلى المعتقلين. ومن خلال هذا التقديم، أعادت الأغنية إلى سياقها التاريخي، مؤكدة أن الموسيقى قادرة على حفظ ما قد تعجز الكتب عن الاحتفاظ به.
هذا الاهتمام بالذاكرة لا يقتصر على موضوعات أغانيها، بل يمتد إلى أسلوبها الموسيقي نفسه. فمشروع ياسمين حمدان يقوم على إعادة اكتشاف التراث العربي داخل قوالب معاصرة، حيث تتجاور الإيقاعات الإلكترونية مع المقامات الشرقية، وتلتقي الكلمة الشعرية بالأصوات الرقمية، في محاولة لخلق موسيقى تنتمي إلى حاضرها من دون أن تنفصل عن جذورها.
واختارت الفنانة أن تختتم السهرة بأغنية «بيروت»، لتعود بالمستمعين إلى المدينة التي لا تزال تشكل مرجعًا دائمًا في أعمالها. وبين بداية العرض ونهايته، بدا واضحًا أن ما تقدمه ياسمين حمدان لا يقوم على استحضار الذكريات من باب الحنين، وإنما على تحويلها إلى مادة للإبداع، وإلى وسيلة للتعبير عن الحرية والهوية والقدرة المستمرة على التجدد، وهي القيم التي وجدت صداها في الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي.

