في عرض » شيراز » : عندما يحول ظافر يوسف الحب الى لغة موسيقية عالمية
على ركح مهرجان الحمامات الدولي، قدّم ظافر يوسف مساء الأحد 12 جويلية ألبومه الجديد «شيراز»، ليقود الجمهور في رحلة موسيقية تنهل من تجربته الشخصية وتفتح في الآن نفسه آفاقًا للحوار بين الثقافات
منذ اللحظات الأولى، بدا واضحًا أن العرض يختلف عن الأعمال السابقة للموسيقي التونسي. فـ«شيراز»، وهو عاشر ألبوماته، ليس مجرد تجربة موسيقية جديدة، بل هو العمل الأكثر قربًا من حياته الشخصية. يحمل اسم زوجته، المخرجة شيراز فرادي، ويستمد من علاقتهما تفاصيله العاطفية، ليصبح احتفاءً بالحب والامتنان للحياة أكثر من كونه مجرد مجموعة من المقطوعات الموسيقية.
لكن خصوصية العمل لا تقف عند حد الإهداء. فما يرويه ظافر يوسف عن تجربته الشخصية يتحول على الركح إلى قصة إنسانية أوسع، تتحدث عن العلاقات التي تصنع الإنسان، وعن قدرة الفن على تحويل التجارب الخاصة إلى مشاعر مشتركة يجد فيها كل متلقٍ جزءًا من ذاته.
رافقه في هذا المشروع خمسة موسيقيين من خلفيات وثقافات مختلفة: الإسباني دانيال غارسيا على البيانو، والنمساوي ماريو روم على آلة الترومبيت، والفرنسي السنغالي سوايلي مبابي على آلة الباص، والفرنسي تاو إرليش على الدرامز، إلى جانب عازف الغيتار الفيتنامي نغويان لي. ولم يكن هذا التنوع مجرد اختيار فني، بل جاء منسجمًا مع فلسفة ظافر يوسف التي جعلت من الموسيقى لغة عالمية تتجاوز الحدود والهويات الضيقة.
وكعادته، حافظ العود على موقعه في قلب المشروع، لكنه لم يكن أسير التراث. فقد انفتح على الجاز والبلوز والموسيقى الكلاسيكية والارتجال، في حوار موسيقي متواصل بين الشرق والغرب، بين الذاكرة والتجديد، وبين الأصالة والتجريب.
ولم يسع ظافر يوسف إلى إبهار الجمهور بالاستعراض التقني، بقدر ما راهن على بناء حالة موسيقية تتدرج بهدوء، تترك للصمت مكانًا، وللتأمل مساحة، قبل أن تبلغ ذروتها في لحظات من الارتجال الجماعي، حيث تتداخل الآلات كما لو كانت تتحاور أكثر مما تعزف.
ظل ظافر يوسف منذ بداية مسيرته يدافع عن فكرة : أن الموسيقى يمكن أن تكون مساحة للقاء لا للمواجهة. ففي «شيراز» لا تبدو الهوية حدودًا مغلقة، بل فضاءً مفتوحًا للتفاعل، حيث يتجاور الموروث العربي مع الموسيقى الغربية دون أن يلغي أحدهما الآخر.
ولعل أكثر ما ميز السهرة هو هذا التوازن بين البعد الشخصي والبعد الكوني. فالعمل، وإن انطلق من قصة حب خاصة، انتهى إلى خطاب إنساني يحتفي بالتعدد والاختلاف، ويؤكد أن الفن قادر، حتى في أكثر الأزمنة اضطرابًا، على أن يبني جسورًا بين الثقافات وأن يمنح الإنسان لحظة سلام.
وللإشارة، تتواصل فعاليات الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي، من 11 جويلية إلى 13 أوت 2026، عبر برنامج ثري من السهرات الفنية التي تنتظم تحت شعار « ذاكرة تعيش »، احتفاءً بستين عامًا من تاريخ المهرجان

