بين الذاكرة والصوت: إعادة اكتشاف طقس التلحيـح في عرض يا بحر يا رايس جيناك عرايس

Performance sonore Emna Maaref

في تجربة فنية تتجاوز حدود العرض الموسيقي التقليدي، تطرح آمنة معرّف عملها الصوتي «يا بحر يا رايس جيناك عرايس» كمساحة بحث حيّة في الذاكرة، حيث يلتقي التراث الشفوي لنساء قابس مع حساسيات موسيقية معاصرة.

لا ينطلق هذا العمل من فراغ، بل من طقس «التلحيـح» المرتبط بالأعراس في الجهة، وهو طقس تقوده النساء وتتناقله الأجيال كجزء من الذاكرة الجماعية. غير أن العرض لا يكتفي بإعادة تقديم هذا الموروث، بل يعيد تركيبه ضمن منظومة صوتية معقّدة تمزج بين التوزيع الإلكتروني والعزف الحي على آلة العود، في حوار مفتوح بين الماضي والحاضر.

آمنة معرّف، الفنانة التونسية المقيمة في مونتريال، معروفة بمقاربتها المتعددة التخصصات، حيث تتحرك بين الموسيقى التجريبية، تصميم الصوت، والعروض الأدائية. وقد امتدت أعمالها إلى مجالات سينمائية، وشاركت في مهرجانات دولية مرموقة مثل مهرجان تورونتو السينمائي الدولي وأيام قرطاج السينمائية، ما يعكس انفتاح تجربتها على وسائط تعبيرية متعددة.

في هذا العرض، تتخذ الأصوات النسائية موقع القلب النابض. خمس مغنيات يجسدن هذا التراث، لا بوصفه مادة جامدة، بل ككائن حي يتنفس عبر أصواتهن. تتناغم الأصوات في شكل جماعي يكاد يذيب الفوارق الفردية، بينما تتسلل الموسيقى الإلكترونية لتعيد تشكيل الإيقاع والمعنى، وتدفع المستمع إلى الإصغاء لما وراء الكلمات.

الأغاني، التي تبدو للوهلة الأولى احتفالية، تكشف تدريجيًا عن طبقات أكثر تعقيدًا. فهي تحمل في طياتها سرديات عن الحب والرغبة، لكن أيضًا عن الفقد والانتماء. كما تعكس ارتباطًا عميقًا بجغرافيا المنطقة: البحر، الواحات، العيون، وكلها عناصر تتداخل في تشكيل الهوية المحلية.

ولا يتوقف العمل عند هذا الحد، بل يذهب أبعد نحو استكشاف ما هو مسكوت عنه. إذ تبرز داخل هذه الأغاني آثار تاريخية، من بينها بقايا الذاكرة المرتبطة بالعبودية، والتي ما تزال محفوظة في النصوص الشفوية التي تتناقلها النساء. هنا، يتحول الصوت إلى أداة كشف، وإلى شكل من أشكال الأرشفة غير الرسمية.

كما يطرح العرض قراءة معاصرة للأغاني بوصفها حاملة لأشكال من المقاومة الشعبية. فهي لا تعكس طقسًا اجتماعيًا فحسب، بل تنطوي على وعي بالتحولات البيئية التي تعرفها المنطقة، وبالضغوطات السياسية التي تؤثر في نسيجها الاجتماعي. بذلك، تصبح الأغنية مساحة للتعبير والاحتجاج في آن.

جماليًا، يتميز العمل بدقة في التأليف وبناء صوتي متماسك، حيث تتداخل الطبقات بين الصوت البشري الخام والتقنيات الرقمية دون أن تفقد الأغاني روحها الأصلية. هذا التوازن بين الأصالة والتجريب يمنح العرض قوة تعبيرية لافتة، قادرة على إثارة العاطفة والتفكير في آن واحد.

يا بحر يا رايس جيناك عرايس» ليس مجرد عرض موسيقي، بل تجربة حسية وفكرية تعيد طرح السؤال حول معنى التراث: هل هو ما نحتفظ به كما هو، أم ما نعيد خلقه باستمرار؟

Please follow and like us:
error
fb-share-icon

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *